ابن رضوان المالقي
223
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
المقدسة . وأبيح له ذلك على شدة الضنانة بمثله لسابق أفعاله الكريمة . وإليه ينسب أحد الحمامين « 62 » الذين بمكة المشهور بحمام جمال الدين . ولهذا الرجل رحمة اللّه عليه من الآثار السنية والمفاخر العلية التي لم يسبقه إليها أكابر الأجواد ، وسراة « 63 » الأمجاد فيما سلف من الأزمان ، ما يفوت الإحصاء ، ويستغرق الثناء ، ويستصحب طول الأيام من الألسنة الدعاء . وحسبك أنه اتسع اعتناؤه بإصلاح عامة طريق « 64 » المسلمين بجهة المشرق « 65 » من العراق ، إلى الشام إلى الحجاز حسبما ذكرناه ، فانبط « 66 » المياه وبنى الجباب ، واختط المنازل في المفازات ، وأمر بعمارتها مأوى لأبناء السبيل وكافة المسافرين وابتنى بالمدن المتصلة من العراق إلى الشام فنادق عينها لنزول الفقراء وأبناء السبيل الذين تضعف أحوالهم عن تأدية الأكرية ، وأجرى على خدمة تلك الفنادق والمنازل ما يقوم بمعيشتهم « 67 » . وعين لهم ذلك في وجوه تأبدت لهم ، فبقيت تلك الرسوم الكريمة ثابتة على حالها « 68 » إلى الآن . فسارت بجميل ذكر هذا الرجل الرفاق ، وملئت ثناء عليه الآفاق . وكان مدة حياته بالموصل قد اتخذ دار كرامة واسعة الفناء ، فسيحة الأرجاء ، يدعو إليها كل يوم الجفلى « 69 » من الغرباء ، فيعمهم « 70 » شبعا وريا ، ويجد الوارد والصادر من أبناء السبيل في ظله عيشا هنيا ، ولم يزل على ذلك أيام حياته رحمه اللّه تعالى ، فبقيت آثاره مخلدة ، وأخباره بالسنة الذكر مجددة ، وقضى حميدا سعيدا ، والذكر الجميل للسعداء حياة ثانية ، ومدة من العمر باقية . واللّه كفيل بجزاء المحسنين إلى عباده ، فهو أكرم الكرماء سبحانه « 71 » . كان الوزير أبو المنصور بن عبد اللّه الملقب مجاهد الدين كثير الخير والصلاح ،
--> ( 62 ) د : الحمامان اللذان بمكة المشهوران بحمامي جمال الدين ( 63 ) د : ولا سرا ( 64 ) د : طرق ( 65 ) ا ، ب : المشرقين العراق ( 66 ) د : فاجرى ( 67 ) د : بهم في عيشهم ، ك : بعيشهم ( 68 ) د : حتى ( 69 ) ك : جمع ( 70 ) د : يكفيهم ( 71 ) ورد بعض نصوص هذه الرواية عن الوزير الجواد جمال الدين في وفيات الأعيان ج 5 ص 143 - 147